السيادة الوهمية: كيف يهين دونالد ترامب السعودية

  • 08 تشرين اول 18:58
  • 10

قناة الإباء / متابعة

إلى متى يمكن أن يظل النظام السعودي صامتًا أمام الإهانات المتكررة التي يوجهها له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟ الجواب: لفترة طويلة. ولا يفوت ترامب فرصة لتذكير السعوديين بأنه بدون الولايات المتحدة سيتعرض النظام السعودي لقلاقل مزعجة من الجبهة الداخلية والمنطقة المحيطة. "مهلا، أنا أحب المملكة العربية السعودية، الملك سلمان، لديك تريليونات، وبدوننا، لن تتمكن من إبقاء تلك الطائرات، بدوننا من يعرف!"
وكانت إهاناته الأخيرة مختلفة الرئيس المحترم المدرب على فن الدبلوماسية العالية لا يقول أبدًا هذه التصريحات عند مخاطبة شركائه في منطقة ينقرض فيها أصدقاء أمريكا بشكل متزايد. يعلم ترامب أنه يستطيع الإفلات حتى لو قال أسوأ الإهانات.

ضعف النظام السعودي
من دعم الولايات المتحدة للحرب الغادرة في اليمن إلى قول واشنطن للرياض أن تبقي سعر النفط منخفضًا، لا يفوت ترامب فرصة لتذكير النظام السعودي بضعفه بدون أمريكا. وأن العلاقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب علاقة عارية دون قشرة اللغة المهذبة للدبلوماسية أو الشراكات أو التحالفات. إنها صفقة يقوم فيها الطرف القوي بدهس الطرف الضعيف وبما أن ترامب يعلم جيدًا مدى هشاشة النظام السعودي. ويذكر السعوديين بشكل منتظم بقابليتهم للتأثر ليبقيهم على أصابع أقدامهم، حريصين على إرضاء الولايات المتحدة وتقديم ما يُطلب منهم في مقابل الحماية
وستواصل المملكة العربية السعودية دفع ثمن باهظ لاعتمادها الكلي على الولايات المتحدة لحماية نظامها. إن السعوديين يعرفون جيدًا نتائج سحب الولايات المتحدة دعمها غير المشروط، مما يجعلها معرضة بالكامل لمخاطر غير متوقعة. إلا أن النظام السعودي يقبض عضلاته عندما تنتقد حكومات غربية أخرى «ذات أهمية استراتيجية أقل» سياساتها المحلية، مثل احتجاز نقاد ونشطاء حقوقيين سعوديين، أو قتل المدنيين بدم بارد في اليمن.
كندا وألمانيا والسويد والنرويج وأسبانيا وغيرها من الدول كانوا يصدرون الضجيج أحيانًا بشأن القمع السعودي المحلي والسياسات الإقليمية المضللة، لكن رد الفعل كان سريعًا. لقد جرى معاقبتهم على الفور لردع الحكومات الأخرى التي قد تفكر في معاداة السعوديين، أو أولئك الذين لا يفعلون ذلك، مثل بريطانيا، التي تنطق بكلمة انتقاد.

السيادة الوهمية
عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، تظهر صورة مختلفة. النظام السعودي يستوعب الإهانة ويتحرك لإيصال العرض المتوقع بالكامل إلى إرادة السلطة التي تحمي الملكية، وتتجاهل الصحافة المحلية كلمات ترامب القاسية. وفي مثل هذه الحالات، يبالغ النظام في رد فعله، وتعلق تأشيرات الدخول لمواطني هذه الدول، وتلغى العقود التجارية ويسحب السفراء بسرعة. حتى أنها تبدأ حملة تشويه ضدهم في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها. هدد وزير الخارجية السعودي عادل جبير كندا على نحو غير متوقع بانفصال كيبيك كما ذكر جمهوره بمشكلة الأقلية في أمريكا الشمالية.
وسائل الإعلام السعودية تذكر الجمهور بمحنة الهنود الأمريكيين الأصليين في كندا ويقولون تعليقات سخيفة على نظام سياسي يحترمه العديد من السعوديين وغيرهم من العرب ويرغبون في العيش تحته والسعوديون ينسون أن كندا ليست إيران، حيثما يمكن للسعوديين أن يعلقوا علم الأقلية السنية العربية المقموعة (الأحواز) سلاحا ضد النظام الإيراني أو حتى دعم أحد أحزاب المعارضة الأكثر شبهه مثل حركة مجاهدين خلق. وأن النظام يستخدم مثل هذه الحوادث مع كندا أو غيرها فرصة لإظهار سيادته المتخيلة. وإن البيانات السعودية – رغم أنها مضللة وغير مبررة ولا طائل من ورائها – ترضي جماهيرها المحلية الذين يشجعون تبجح قيادتهم.
ولكن عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، تظهر صورة مختلفة. النظام السعودي يستوعب الإهانة ويتحرك لإيصال العرض المتوقع بالكامل إلى إرادة السلطة التي تحمي الملكية، وتتجاهل الصحافة المحلية كلمات ترامب القاسية ومن عرض الرسوم البيانية للإنفاق العسكري السعودي أمام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والكاميرات، إلى الإشارة لضعف النظام السعودي بدون أمريكا، يعلم ترامب جيدًا أنه يستطيع الاستمرار في إطلاق الإهانات دون أن يتمكن السعوديون من الرد، ناهيك عن رد الفعل المبالغ فيه.

اهانات صريحة
للأسف لا يتمتع السعوديون بميزة إقالة قادتهم في الانتخابات المقبلة، أو تقديمهم للمحاكمة لنهب ثرواتهم وتقديم الرشاوى إلى الولايات المتحدة، ولذلك سيستمر ترامب في الضغط عليهم. وإذا كان ضعف النظام السعودي بدون أمريكا هو أمر واقع بلا جدال، فإن الإهانات الدرامية والمسرحية لترامب تخبرنا أكثر عن أنصاره بأمريكا، الذين يبتهجون في كل مرة يذل فيها شيوخ النفط.
وإن أولئك الذين يصفقون تقديرا لإذلال ترامب الحاد لحلفائه، مجموعة من الأمريكيين المضللين. ويجذب ترامب أنصاره بمزج الغطرسة والعنصرية والتعصب، الذين نسو كيف يبسط النفوذ في الخارج. إن جعل أميركا عظيمة أو إبقاء أميركا عظيمة لا يتحقق بإبعاد الحلفاء وإخافة الشركاء وإهانة الأصدقاء وأن السياسة الأمريكية تدهورت إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق. فلم يعد الأمر يتعلق بالاحترام أو الإنصاف أو أفكار الديمقراطية أو التعايش، ولا يتعلق الأمر حتى بالقيادة على المستوى العالمي. فالسياسة الأمريكية أصبحت غارقة في البذاءات الجنسية للنخبة السياسية التي يتم نشر كل تفاصيلها الكريهة في وسائل الإعلام.
ومن فضائح ترامب الجنسية الخاصة إلى الملحمة المحيطة بتعيين قاضٍ في المحكمة العليا، العالم يراقب كيف تعرض أمريكا القذارة على الشاشة. إن قوة عظمى لا تستطيع أن تنتخب رئيسا نظيفا وصريحًا أو تعيّن قاضا محترما في أعلى منصب في السلطة القضائية لم تعد قوة عظمى. وإن الأمل الوحيد لأمريكا الآن هو إطلاق وسائل التحقيق وسيادة القانون، وكلاهما يتآكل تدريجيا ويهدد تحت حكم ترامب. لكن على الأقل هناك ما يكفي من الناس المحترمين والحازمين في أمريكا الذين قد يصدرون الكثير من الضجيج قبل أن يتم تعيين قاضٍ متهم بالاعتداء الجنسي.
ويمكن أن يقول الأمريكيون هذا يكفي وينتخبون رئيسًا آخر في الوقت المناسب. ويمكنهم تنظيف وطنهم واستعادة سمعتهم كبلد يطمح إليه العديد من الناس، خاصة أولئك الذين يعيشون في ظل الأنظمة الديكتاتورية مثل السعوديين. للأسف، لا يتمتع السعوديون بميزة إقالة قادتهم في الانتخابات المقبلة، أو تقديمهم للمحاكمة لنهب ثرواتهم وتقديم الرشاوى إلى الولايات المتحدة، ولذلك سيستمر ترامب في الضغط عليهم.
ويحتاج ترامب للاستمرار بتوجيه الإهانات لإرضاء قاعدته الانتخابية، التي يتم تسليتها وسحرها من خلال تصريحاته القصيرة الساذجة والمفككة في كثير من الأحيان. وهذا يعني إبقاء السعوديين في حالة من الخوف بشأن سحب أمريكا دعمها يوما ما. هذه العلاقة لا تقوم على الحب ولكن على الخوف والبغض.

المصدر: صحيفة مدل ايست اي البريطانية

M.K


التعليقات