القوات الأمريكية في سوريا... مشروع طويل الأمد ضمن استراتيجية واضحة

  • 08 تشرين اول 18:48
  • 15

قناة الإباء / متابعة

رسمياً، دخلت القوات الأمريكية النظامية إلى سوريا في أيلول 2014، بالتزامن مع دخولها إلى العراق في أعقاب الإجتياح الداعشي للموصل ومناطق أخرى من البلاد بعد ذلك. لكن التدخل الأمريكي بأشكاله المتعددة كان حضوره قوياً منذ بدء الحراكات المُعارضة، ثم تحولها إلى حراك مسلح منفتح على منابع التطرف الإسلامي وتمويله برعاية استخبارية أمريكية.
التبرير الذي أعطته أمريكا لنفسها لدخول قواتها إلى سوريا كان وجود القواعد الأساسية وقيادات داعش في مدينة الرقة السورية، كما كان لداعش السيطرة على مناطق عديدة من سوريا تصل إلى 40% من مساحتها، من ضمن سيطرة المعارضة السورية المسلحة على حوالي 65% من مساحة البلاد وقتها.
بدأ الوجود الأمريكي النظامي ب400 من القوات الخاصة تمركزوا في مناطق سيطرة الكورد في شمال شرق سوريا، ومن تبريرات وجودهم هناك كان مساعدتهم على محاربة داعش التي كانت قد احتلت أكثر من 300 قرية من ريف مدينة عين العرب (كوباني) واجتاحت حوالي ثلث المدينة. تلك كانت بدايات التعاون العلني بين أمريكا والكورد الماركسيين من محازبي حزب العمال الكوردستاني الذي كان يُصنّف في عُرفها كمنظمة إرهابية.
من الضروري فهم الخلفيات الاستراتيجية لهذا الحراك الأمريكي، وقد كتبنا بالتفصيل عن أهداف الاستراتيجية الأمريكية - الصهيونية في المشرق قبل أكثر من ثلاثة سنوات:
الهدف الحقيقي للوجود الداعشي كُله في سوريا والعراق، لم يكن سوى إنشاء دولة عنصرية سنية، تُحاكي نشأتها قيام الكيان الصهيوني (أحتلال الأرض وتشريد سكانها، واستبدالهم ب"مهاجرين" يأتون من كافة أصقاع الأرض مع عائلاتهم – أكثر من 80 دولة - وتكون حدود تلك الدولة مُتاخمة للحدود الشرقية لإسرائيل التوراتية).
أي بكلام آخر: نشأة وجود عنصري إسلامي على الضفة الشرقية لنهر الفرات يمتد من الفلوجة وصولاً إلى جرابلس على الحدود التركية، ليكون حجر الأساس لإسرائيل التوراتية عند الضفة الغربية للنهر.
العرّاب الأول لهذه الخطة لم يكن سوى جون بولتون مستشار الأمن القومي الحالي في البيت الأبيض
أما وزير الدفاع الأمريكي الحالي الجنرال ماتيس فهو الذي كان قائد القوات الأمريكية التي دخلت إلى العراق وسوريا في 2014، وصاحب نظرية أن "القضاء على داعش قد يستغرق ثلاثين عاماً"، والإنعكاس الحقيقي لهكذا قول هو: الإجتياح الداعشي كان المُبرر والمدخل للقوات الأمريكية كي تتواجد في المنطقة ولسنواتٍ طويلة قادمة.
الكلام عن خلافات حول التفاصيل هدفه التضليل وشراء الوقت. أما الاستراتيجية الأساسية واحدة وعرّابوها هم نفسهم من هندس اجتياح العراق في 2003: المحافظون الجدد، الذين يحتلون اليوم المراكز الأساسية في بيت ترامب الأبيض.
قانونيا، على أمريكا استخدام قواتها ضد داعش. لكن بولتون يريد استخدامها لردع إيران
في 2013، بادر الرئيس أوباما إلى عزل قائد العمليات العسكرية في الشرق الأوسط "جايمس ماتيس"، بسبب آرائه المتشددة حول إيران. اليوم، يرى ماتيس نفسه مجدداً في فُسحَةٍ ضيقة بسبب سياسات الولايات المتحدة نحو إيران، لكن الضغط عليه اليوم يأتي من المتشددين.
في الأشهر القليلة الماضية، ضاعفت إدارة الرئيس ترامب الضغوط الإقتصادية على إيران ورفعت مستوى التحريض ضدها. مستشار الأمن القومي "جون بولتون" أصدر تهديداً صريحاً: إذا استمرت إيران بالتدخل في شؤون الولايات المتحدة وحلفائها فسيفتح ذلك أبواب جهنم عليها.
في كلمته أمام الأمم المتحدة، قال بولتون "لتكن رسالتي واضحة اليوم: نحن نراقبكم، وسوف نلاحقكم". الواضح أن هكذا كلام يوحي بتحركات، تدخل بشكل واضح ضمن النطاق العسكري الذي هو من شأن وزارة الدفاع.
كما أكد بولتون أن القوات الأمريكية باقية في سوريا ما دام لإيران قوات هناك، وهذا يناقض تبريرات البنتاغون بأن تلك القوات موجودة لهدف واحد لا غير: محاربة داعش.
على الوزير ماتيس الآن ان يسير على حبلٍ رفيع بين العداء التصاعدي للإدارة ضد إيران، ومعها مطامحها الإقليمية، وبين التحول الغير مرغوب لمهمة القوات الأمريكية في سوريا. قد تكون مشاعر بولتون وماتيس متشابهة حول إيران، لكن لدى وزير الدفاع أسبابه لمقاربة أكثر حذراً حول الوضع في سوريا.
كثير من أعضاء الكونغرس قلقين من التوسيع غير القانوني لمهمة القوات الأمريكية في سوريا التي تستقي شرعيتها من محاربة التنظيمات الإرهابية المسلحة هناك، وليس لمواجهة دولة مثل إيران. كما أن أي تصعيد ميداني سوف يُعَرِّض القوات الأمريكية للخطر من الفصائل المؤيدة لإيران، الجيش السوري، والقوات الروسية.
بحسب "ميليسا دالتون" المُحللة السياسية في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية التي أعطتنا رأيها بالإيميل: "القلق الأكبر لماتيس هو التبعات الميدانية على القوات الأمريكية لأي تحرك من واشنطن في المنطقة، ويتجلى ذلك في تصريحاته العلنية الحَذِرة والشهادات التي يُدْلي بها في الكونغرس أيضاً حول التبعات القانونية لأي حراك في غير محله، وهو بذلك يحاول استباق المواقف والخطوات المتشددة التي قد يقوم بها البيت الأبيض".
بعد التصريحات التي أدلى بها بولتون ، أصر ماتيس في مؤتمر صحافي أنه لا تغيير في السياسة الأمريكية تجاه سوريا: "بالطبع علينا تدريب قوات محلية لمتابعة محاربة داعش، لكن ذلك جزء من مهمتنا الأساسية بهزيمة داعش التي أظهرت بأنها عدو غير اعتيادي وقدرة كبيرة على التأقلم ومعاودة نشاطها. هذه كانت سياستنا في السنة ونصف الأخيرة، لكن هذا لا يعني أننا نلعب معزوفة مختلفة أنا وبولتون".
غير أن شهادة ماتيس لم تكن كافية لاحتواء القلق الذي أبداه الكونغرس حول الدور الأمريكي في سوريا، وطالبوا بجواب حازم حول ما إذا كانت القوات الأمريكية سوف تبقى هناك لهدف مواجهة إيران، فالتفويض الساري المفعول لدور تلك القوات في أفغانستان وسوريا هو لمحاربة التنظيمات المسلحة وليس إيران.
وفي شهادة "روبرت كارم" مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي أمام الكونغرس قال "لقواتنا المسلحة الحق في الدفاع عن نفسها أينما تواجدت في العالم، ورغم أن وجود قواتنا في سوريا له منفعة جانبية في ردع إيران، لكن علينا دائما التمييز بين نشاطاتنا العسكرية وأهدافنا السياسية. رغم أن احتواء مخاطر النشاط الإيراني في كافة المنطقة وبضمنها سوريا، أمرٌ ضروري، لكن لا يمكن الربط بين هذا الهدف السياسي والنشاط العسكري للقوات في سوريا".
النائب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوسيتس "سيث مولتون" رد على "كارم" بالقول "ماتقوله يوحي بأن من نشاطات قواتنا في سوريا مواجهة إيران، خاصة عندما نقول أن انسحاب قواتنا من سوريا يرتبط بما تفعله إيران، وليس بالضرورة ما تفعله داعش.
لاحقاً، تقدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ بمشروع قرار يمنع الولايات المتحدة من تخصيص الأموال والعمل الحربي هدفها استهداف إيران عسكرياً دون الحصول على موافقة الكونغرس أولاً، وأن تفويض الرئيس بإدارة العمليات العسكرية ضد المنظمات الإرهابية لا يشمل حرباً وقائية ضد إيران، وهكذا عمل عسكري غير قانوني وفق ذلك التفويض.
السناتور الديمقراطي عن نيومكسيكو وعضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ "توم يودال" أحد مُتَبَنّي ذلك القرار قال في تصريح له "مقاربة الإدارة لموضوع إيران يشابه إلى حد بعيد المبررات والتصرفات التي أدت إلى الإجتياح الفاشل للعراق، وعلى الكونغرس فرض سلطته الدستورية لمنع الذهاب إلى الحرب بهذه الطريقة غير المشروعة".
بحسب الخبير في مؤسسة بروكينغز "مايكل أوهانلون"، فإنّ وزير الدفاع ماتيس، رغم قناعته التي عبّر عنها مراراً بأن إيران تقف خلف معظم النشاطات العدائية نحو الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن هذا لا يبرر بقاء القوات الأمريكية في سوريا فقط لمواجهة إيران. الموقف الذي يمكن الدفاع عنه يربط وجود تلك القوات بمنع داعش من إعادة التنظيم والنشاط لأن ذلك هو المُسوِّغ الشرعي لوجودها.

  د. حافظ الزين

M.K


التعليقات