تركيا والسعودية .. التحالف الهشّ 2015-2016 (الفصل الثالث)

  • 09 تشرين اول 08:15
  • 10

قناة الإباء

لم تدم معادلة السياسة السعودية تجاه تركيا وسياساتها سابقة الذكر لأكثر من عام ونصف، وذلك لارتباطها بتوجهات داخلية في السياسة السعودية والصراع على الحكم، كذلك ارتباطها بشخص الملك عبدالله بن عبد العزيز ومنظومته، ومن ثم فإنه بوفاته تم العودة إلى مربع ما قبل2011 في العلاقات بين السعودية وتركيا، بما ما فيها التحفظات السعودية على النفوذ التركي وحدوده، بل أن الأمر امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بتجاوز هذه التحفظات وزوال مسبباتها، وكذا استحداث ضرورات أجبرت كل من البلدين على إعادة النظر في سياساتهم وتباعاً ضرورة التقارب فيما بينهم وصولاً إلى حد التحالف السياسي منذ بداية العام الماضي، وتولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم وعودة الأولويات السعودية لسابق عهدها ناحية إيران، ولكن مع استقطاب المحور الإخواني إلى هذا التوجه واستثماره بجذب تركيا إليه وما انعكس كمتغير على كافة سياسات السعودية الخارجية وعلاقاتها بدول المنطقة، فمثلاً كانت الرياض تعاني من زوال الغطاء السياسي الأميركي الذي كان يشكل عماد سياساتها الإقليمية، وميل الإدارة الأميركية إلى عدم تصعيد الأمر مع طهران حول ملفها النووي إلى حد الحرب، وهو ما كان عكس الرغبة السعودية والتي لم يكن أمامها إلى تشكيل تكتل إقليمي يساعد على موازنة ما تطمح إليه مع المتغيرات التي انتابت المنطقة منذ 2011، بالإضافة إلى أنه على مستوى الأزمة السورية كان لتدخل روسيا هناك وتحالفها الميداني مع كل من دمشق وطهران عامل حاسم في ضرورة تنحية الخلافات مع أقرب قوة إقليمية تتقاطع معها السعودية من حيث المصلحة وهي تركيا.(20)

الحال نفسه كان بالنسبة لتركيا، التي سرعان ما تلقفت الانقلاب في الداخل السعودي وسارعت في لملمة فوضى ما بعد الثلاثين من يونيو مع الرياض، خاصة وأن القائمين على هذه السياسة هناك قد خرجوا من المشهد وصعد محلهم جناح يميل إلى التعامل مع المحور الإخواني وضبط العلاقات مع قطر وتركيا حتى قبل وفاة الملك عبد الله، لذلك شكلت زيارة أردوغان إلى المملكة في مارس 2015 نقطة بداية للتحالف التركي-السعودي، والذي كان دافعه الأساسي بالنسبة لأنقرة هو خسارة كل حلفائها الإقليميين، أو بمعنى أدق لم يعد لديها أي حليف في المنطقة سوى قطر المقيدة والتي رزحت تحت ضغط العقوبات السعودية منذ2013، ناهيك عن عدم توافق أنقرة مع أي من القوى الدولية في الشرق أو في الغرب فيما يخص الأزمة السورية، وهذا بالطبع يأتي كتتويج لتبدل السياسة الخارجية لتركيا وتحولها من «صفر مشكلات» إلى كل المشكلات مع كل الأطراف الإقليمية والدولية.(21)

 

ويمكن حصر محاور التحالف التركي السعودي منذ مارس 2015 في ثلاث نقاط:

سوريا، وفيها تم الاتفاق على تنسيق الجهود السياسية والميدانية، وهو ما كان معدوم في السابق منذ 2011 وحتى 2015، وبالتالي انتهت نقاط الخلاف بين الدولتين وسياسة “الحل العربي” التي انتهجتها الرياض، ونتج عن ذلك أيضاً الاتفاق على أن يكون ثقل “المعارضة السورية” في الخارج في أيدي الرياض، وكذلك كان الأمر على الواقع الميداني، فنتج توافق بين الفصائل المسلحة التي ترعاها السعودية وتلك التي ترعاها تركيا وقطر، متجلياً ذلك في تجربة «جيش الفتح» الناتج عن اندماج كل من «جبهة النُصرة» المدعومة من قطر وتركيا، و«جيش الإسلام» المدعوم من السعودية، ونجاح هذا الكيان الهجين في معارك مدينة إدلب السورية.(22)
اليمن، والتي شكلت أولوية للحكم السعودي الجديد، سواء من ناحية الدواعي الجيوسياسية أو دواعي إثبات الحكم الجديد ومكوناته، وهنا يجب ملاحظة أن الاهتمام التركي بالملف اليمني لم يكن سوى عربون وفاء للتحالف الجديد مع السعودية، ولذلك حدث أن انسحبت أنقرة من مشاركتها الشرفية في تحالف “عاصفة الحزم” فور بيان أن أفق العدوان على اليمن غير واضح، بخلاف أن إيران نجحت في تحييد كل من تركيا وباكستان –التي وجدت نفسها في تحالف دون علمها- في هذا التحالف عن طريق العلاقات الجيدة بينها وبينهم وتطويرها اقتصادياً، ناهيك عن أن الإستراتيجية السعودية كانت في هذا المضمار غير ناضجة بما يكفي لأن تقود تحالف عسكري أتضح أنه ناتج عن رغبة في إثبات جدارة شخصية لهذا الأمير أو ذاك في صراع داخلي على الحكم، ولهذا فحتى لو كان توجه السعودية هناك يصب في مصلحة إخوان اليمن –على عكس إجراءات الملك عبدالله السابقة هناك- فإن ترجمة ذلك عن الأتراك لم تكن بنفس فائدة أن يتم الدعم السعودي لإخوان مصر مثلاً، ناهيك عن أن السياسات السعودية في اليمن جاءت بحرب واقتتال لا يعرف مداه ولا نتائجه.(23)
ليبيا، والتي كانت الركيزة الثالثة بعد مصر وتونس لصعود الإخوان ومحور تركيا- قطر، وإن كان الأمر يثمن أكثر من حيث القيمة عند أنقرة، فليبيا مثلت خزان بشري وتسليحي للجماعات المسلحة المتوجهة إلى سوريا، كما أنها شكلت معبر للاجئين السوريين لأوربا، ومن ثم شكلت ليبيا للسياسة التركية ركيزة جيوستراتيجية متعددة الفوائد؛ وهذا ما انعكس عليه التحالف مع السعودية؛ فمثلا ناهضت السعودية الخطوات المصرية-الإماراتية المشتركة في ليبيا وصفت بجانب قطر وموقفها في جامعة الدول العربية التي استصدرت قراراً يدين هذه الخطوات، لتتواصل حصد ثمار هذا التحالف على الساحة الليبية والذي كان دور السعودية فيه هناك هو تقويض الدور المصري المزعج للتوجهات القطرية-التركية.(24)
المصالحة المصرية مع الإخوان، ومثلت هدف هام للتحالف بين البلدين، فأنقرة ابتغت أن تتخذ السعودية تحت حكم سلمان موقفاً متشدداً من النظام المصري على عكس ما كان إبان السنة الأخيرة في حياة الملك عبد الله، أو بالحد الأدنى تفرض عليه بدواعي النفوذ مصالحة تعيد الإخوان إلى ساحتهم الرئيسية في الشرق الأوسط. ولكن شكل هذا الأمر العقبة الرئيسية في مسار التحالف التركي السعودي، ليس من باب تسببه في تعطيل مآلاته، ولكن لتوتير العلاقة بين القاهرة والرياض طيلة العام الماضي، ومن ثم أصبح الأمر بمثابة معادلة صفرية مفادها ضرورة تصالح النظام المصري مع الإخوان الذي كانت الإطاحة بهم سبب شرعية النظام الحالي، وبالتالي انتظرت تركيا أن يتحقق هذا من البوابة السعودية ولكن دون أن يحدث مما أضعف مقومات أحد أهم أسباب التحالف بين أنقرة والرياض.(25)
وكما نرى هنا أن كل من المحاور السابقة حمل بداخله أسباب تعطل فاعلية التحالف-التركي السعودي، سواء أسباب ذاتية تخص كل منهما على حدا، أو موضوعية ترتبط بتغير الظرف الإقليمي العام واستجابته لمتغير خارجي. فمثلاً جاء التدخل الروسي في سوريا ثم التفاهم الروسي الأميركي والانجازات الميدانية التي تحققت هناك على يد الجيش السوري وحلفائه، وهو ما جعل كل فاعلية ممكنة للتحالف بين أنقرة والرياض هناك تنخفض من فرض أمر واقع مغاير ميدانياً وسياسياً، إلى مجرد محاولة المحافظة على بعض المكاسب السابقة لكي يكون لهم دور في أي تسوية مقبلة متعلقة بالأزمة السورية. الأمر نفسه كان في اليمن بالنسبة للمصلحة التركية التي لم تكن منشغلة أصلاً بالموضوع اليمني، ناهيك عن نجاح إيران في تحييدها، وبالتالي أصبح هذا المحور ككل يخص السعودية حصراً. الأمر نفسه كان في ليبيا ولكن مع تبدل الأدوار؛ فالسعودية لم تقدم ما يتجاوز الضغط على النظام المصري لتحجيمه في مسعى التدخل في ليبيا، وهو ما لم يصبح ذو معنى بتدخل الغرب وواشنطن هناك وفرض معادلة سياسية أوسع من الإمكانيات السعودية وخارج اهتمامها بالأساس. (26)

أما عن المصالحة مع الإخوان المسلمين في مصر فكانت تعقيداتها كافية لأن تكون غير عاجلة لأي من أطرافها الثلاث في القاهرة وأنقرة والسعودية، وتحولها في النهاية منذ مطلع العام الجاري إلى فتح أفق مصالحة بين النظام التركي والمصري وترك مسألة المصالحة بين النظام المصري والإخوان جانباً باعتبارها شأن داخلي، بل أنه يمكن القول أن النظام في مصر فضل تقديم بعض المكاسب السياسية الإقليمية للنظام السعودي بدل من عقد مصالحة مع الإخوان، أو بالحد الأدنى تأجيلها، وذلك في تسوية أخيرة للتوتر الذي ساد العلاقة بين الرياض والقاهرة منذ بداية العام الماضي، والتي في مجملها كانت متسقة مع أولويات النظام المصري الذي لا يرى غضاضة في تقديم بعض التنازلات للمملكة، التي بذلت الكثير مادياً واقتصادياً في دعمه، نظير انحيازها للرؤية المصرية لا التركية تجاه ما يتعلق بمسألة المصالحة مع «جماعة الإخوان المسلمين»، واستطاعة النظام توفير ما لا تستطيع الجماعة تنفيذه ولا محورها على مستوى إقليمي يتعلق بصراع الرياض مع طهران ومحورها.(27)

وهذا بخلاف أن الضعف البنيوي الذي لحق بجماعة الإخوان وبالتالي وهن ذراع محور قطر-تركيا في المنطقة، وأصبح لا يستطيع أن يقدم للسعودية سوى التمترس الطائفي ضد إيران بعيداً عن أي أدوات قوة حقيقية في المضمار نفسه، غير أن تركيا بعيده كل البُعد عن التصادم مع إيران بمنطق جيوسياسي وجيوستراتيجي، ويرى باحث في هذا السياق أن “لا قوة للإخوان حقيقية قادرة على إسقاط النظام في مصر من خلال أحلاف إقليمية (..) فظن البعض أن التدخل الروسي في سوريا، سيدفع السعودية بعيداً عن مصر ويدعم إمكانية ضم الإخوان في حلفها السني الواسع المزعوم. إلا أن التدخل الروسي في حقيقة الأمر قلل من حجم الدور الذي يمكن أن يلعبه الإخوان، ووسع رقعة المناورة للنظام المصري الذي يرى الحفاظ على الدولة السورية وضرورة تدمير «داعش» و«جبهة النصرة» وكل التنظيمات الجهادية، كما أضعف التدخل الروسي قوة الجماعات الإسلامية الجهادية في سوريا وأعطى نفس للنظام السوري وحلفه الإيراني لاستعادة بعض من زمام الأمور ميدانياً وسياسياً. والأخطر أن التدخل الروسي دفع تركيا خطوتين إلي الخلف. ومؤخراً بدأت تركيا في أخذ خطوات جادة للتقارب مع روسيا وإعادة رسم بعض الملفات الإقليمية. إذا كل ما يتعلق بعودة الإخوان من خلال عباءة الملك سلمان لم يكن أكثر من تفكير بالتمني ورغبة أكثر منها حقائق ووقائع على الأرض قادرة على الدفع بالإخوان مرة أخرى كلاعب مركزي في مصر”.(29)

استنتاجات عامة واستشراف

رئيسية

بتتبع مسار السياسة الخارجية لكل من السعودية وتركيا وتقاطعهم في بعض الملفات إبان الفترة قيد الدراسة نجد أن أنقرة منذ 2002 وهي تتبع إستراتيجية مفادها التأثير كلاعب إقليمي هام ليس فقط فيما يتعلق بشئون المنطقة، ولكن استقواء بنفوذها في مجالات السياسة الخارجية مع القوى الغربية وواشنطن، وهنا كإستراتيجية عامة قامت على أساسين: الأول خلق فرص سياسية وإستراتيجية بمشاركة قوى المنطقة التقليدية أو من خلالها، أو توظيف الفراغ الحادث بعد المتغيرات التي لحقت بها، والأساسين السابقين أتوا كتكتيك لتحقيق الإستراتيجية سابقة الذكر، والتي تتسم بالمرونة والتكيف مع المتغيرات الطارئة وتوظيفها لصالحها، والتي على مستوى المنطقة العربية وعلاقة أنقرة بدولها يأتي اعتبار تدعيم الموقف التركي أمام القوى الدولية كدافع أولي، وهو ما ينتفي عند تحقق ما تبتغيه تركيا بتوافق سياسات القوى الدولية شرقاً أو غرباً مع مصلحتها؛ هذا الأمر وضح مؤخراً في التفاهم التركي –الروسي حول تسوية الأزمة السورية، وكذلك التقارب بين أنقرة وطهران في المضمار نفسه، وذلك بإهمال مقومات التحالف التركي السعودي في سوريا الذي من الجلي أنه في أيامه الأخيرة سواء كنتيجة عن السابق، أو إخفاقه من الأساس في تحقيق مآرب تركيا.(30)

أما السعودية فإستراتيجية سياستها الخارجية قامت بالأساس على الاعتماد على السياسة الأميركية تجاه المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، والعلاقات الثنائية الخاصة المتعلقة بتأمين النفط عقب الحرب العالمية الثانية، وبالتالي بانتفاء كل من العاملين السابقين فإنه من عدم الحكمة أن تعتقد الرياض أن واشنطن ستنحاز بلا مقابل أو داعي إلى توجهات السياسة الخارجية السعودية والتي بُنيت في السنوات الأخيرة على مجابهة إيران من منطلقات طائفية، خاصة في ظل التغيرات الكبرى التي لحقت بالمنطقة، منذ 2011 وانتهاء بالاتفاق النووي، ومن ثم يمكن القول أن المملكة تلقفت الانعزال التركي في السنوات الأخيرة منذ 2013 لكي تعوض بالتحالف معها ما خلفه رفع الغطاء الأميركي عن السياسات الخارجية للسعودية، ولكن الفرق بالنسبة للرياض عن أنقرة في هذا السياق هو انعدام الإستراتيجية، أو بالحد الأدنى بقائها على تكلسها بديماجوجية تجاه إيران، وهو ما يتعارض مع الإستراتيجية التركية التي لا محل فيها لعداء ضد طهران مماثل للعداء بين الأخيرة والرياض، وهو ما أنعكس في ارتجال وعشوائية السياسة الخارجة السعودية خلال عام من التحالف بين الرياض وأنقرة، ومثال واضح على هذا ما حدث في «عاصفة الحزم» وموقف تركيا الشكلي منه واتخاذها الحياد بدافع من علاقاتها الجيدة مع إيران، والأمر نفسه وصل إلى المحور السوري بصفته المحور الأهم بين محاور التحالف السعودي التركي، فنرى الأن أن تركيا اتجهت نحو روسيا وإيران لإيجاد تسوية مشتركة للأزمة السورية بعيداً عن اعتبارات التحالف مع السعودية، حيث أن الأخيرة لا تملك ما تقدمه في مسائل مثل الكيان الكردي على عكس كل من موسكو وطهران.(31)

أما عن الأسباب المباشرة الداخلية التي أدت لتحولات كبيرة في العلاقات السعودية –التركية على مدار سنوات رصدها في هذه الدراسة، فيمكن القول أنها لا تعد سوى سبب مباشر غلب اتجاه موجود بالفعل داخل النخبة الحاكمة في البلدين، سواء كان صعود «العدالة والتنمية» 2002 في تركيا، أو الانقلاب السديري في الحكم السعودي 2015، أو محاولة الانقلاب الفاشل في يوليو الماضي في تركيا، لا تزيح دواعي موضوعية لضرورة وجود العلاقات بين البلدين، وإن أثرت بالطبع على درجة فاعليتها وعمقها، وأن المحرك الرئيسي لإيقاع العلاقة بين الرياض وأنقرة يكمن في التحدي والاستجابة لكل منهما تجاه المتغيرات في المنطقة ووفق مصلحة كل منهما، وتالياً على هذا الأمر كان دينامية جذب كل منهما تجاه الأخر وقضاياه وأولوياته، والتي إن لم تحدث في مجملها فإنها تبقى ضمن حدود العلاقات الطبيعية بين دولتين؛ أي باختصار هناك مربع آمن للعلاقات بين البلدين لا يختلف كثيراً عن ما كانت عليه قبل 2010، والتي كان ملمحها الأساسي العلاقات الاقتصادية الجيدة وعلاقات سياسية ودبلوماسية تسمح بتطوير هذه العلاقات الاقتصادية وتوسيعها.

وكاستشراف عام لتقديرات قصيرة ومتوسطة المدى للعلاقات بين تركيا والسعودية فإن البديهيات تحل محل التوقعات؛ فأولاً لم ولا يوجد داعي لصدام بين أنقرة والرياض، فالمثال الوحيد كان بسبب طرف ثالث وعلاقة كل منهما به، ونقصد هنا ما حدث في مصر في يونيو 2013، وهو ما دفع بالخلاف إلى حدود الخصومة ولكن ليس إلى حد الصدام، والذي سيكلف -حال فرض حدوثه جدلاً- كل من البلدين الكثير، سواء في مدى علاقاتهم الثنائية أو كتأثيرهم كقوى إقليمية فاعلة.

أيضاً لا يمكن اعتبار أن التحالف التام بين السعودية وتركيا قد يحدث بصورته المثالية التي صُدرت في الإعلام خلال العام الماضي؛ فكل من رؤية البلدين الخارجية مختلفة بنيوياً وجوهرياً، وحتى إن تقاطعا في ملف ما -سوريا كمثال- فإن لكل منهما أولويات يختلف ترتيبها عن الأخر. ولا يمكن أيضاً الجزم بأن العلاقات السعودية- التركية في السنوات الأخيرة كانت على نفس نمط التحالف بين الرياض والقاهرة، أو بين أنقرة والدوحة، فما يجمع هذه الدول الأخرى بأي من البلدين لا يمكن أن يكون على نفس خط العلاقات السعودية-التركية حتى وإن بدت كأنها تحالف سياسي قوي؛ ففي النهاية كانت المتغيرات في الساحة السورية أكبر من قدرة استيعابها واستجابتهما المشتركة بواقع التحالف لها، وبالتالي تبقى تخوفات الرياض من تقويض نفوذها من جانب أنقرة بتحالفها مع قوى إقليمية غيرها محل واقع لم يتغير، وبالمقابل تبقى حدود علاقات أنقرة بالرياض في حدود ضمان السوق الرائج والعلاقات الاقتصادية الجيدة وليس الانجرار لتوجه سعودي يفرض عليها معاداة جارة وقوة إقليمية كبيرة بينهما علاقات سياسية واقتصادية ودواعي جيوستراتيجية جيدة مثل إيران.

وفي إيجاز أخير؛ فإن العلاقات بين تركيا والسعودية كان الاستثناء فيها هو التحالف قصير المدى، أما القاعدة فهي أن كل منهما باعتبارهما قوى إقليمية فاعلة يمكنهم التعاون في الملفات المشتركة طبقاً لرؤية واضحة لم تتوفر لكل منهم مع اختلاف الظروف البنيوية في السياسات الداخلية والخارجية وأسلوب إداراتها، كذلك لم يشكل هذا التعاون أولوية إلا في فترات طارئة قصيرة المدى والمفعول، وختاماً فإن كل من البلدين لا يستقر إيقاع علاقاتهم الثنائية أو تعاونهم الإقليمي إلا عند حدوده الدنيا المتمثلة في الشأن الاقتصادي.

 


التعليقات